فهرس الموضوع:

  1. مقدمة: الهرمية عدو الإبداع؟

  2. ما هي “المساحة الوسطى التعاونية”؟

  3. 3 آليات لنجاح المساحة الوسطى

  4. أين طُبقت هذه الفكرة؟

  5. دروس من الفرق المسطحة في البحث العلمي

  6. كيف تطبقها في مؤسستك؟

  7. الأسئلة الشائعة

  8. الخاتمة: نحو مؤسسات أكثر إبداعاً وتعاوناً

.. مقدمة: الهرمية عدو الإبداع؟

في المؤسسات الكبيرة، غالباً ما تُقتل الأفكار الإبداعية قبل أن تولد. العمليات الصارمة، الخوف من المخاطرة، والهرمية المتصلبة تجعل الموظفين يترددون في مشاركة أفكارهم الجديدة خوفاً من النقد أو الرفض. لكن ماذا لو كان هناك مساحة داخل المؤسسة تُعلق فيها الهرمية مؤقتاً، ويتعاون فيها الموظفون والمديرون على توليد أفكار جديدة في بيئة آمنة وإبداعية؟

هذا هو جوهر مفهوم “المساحة الوسطى التعاونية” (Collaborative Middleground) الذي طوره باحثون من كلية كينجز بيزنس سكول (King’s Business School) في دراسة حديثة، وأظهر كيف يمكن للشركات كسر حواجز الابتكار من خلال خلق مساحات منظمة للتعاون الإبداعي.

في مقال سابق عن السلم الوظيفي لم يعد هو المسار الوحيد، تحدثنا عن تغير نماذج العمل، واليوم نتعمق في نموذج جديد لتعزيز الإبداع الجماعي.

.. ما هي “المساحة الوسطى التعاونية”؟

المساحة الوسطى التعاونية هي مفهوم ابتكره باحثون من King’s Business School لوصف مساحة داخل المؤسسات الكبيرة تُعلق فيها الهيكلية الهرمية التقليدية مؤقتاً، مما يسمح لفرق متعددة المستويات بتطوير أفكار جديدة في بيئة آمنة وإبداعية.

وفقاً للدكتورة نادين شولتز (Nadine Scholz)، المحاضرة في ريادة الأعمال بكلية كينجز بيزنس سكول، فإن هذا المفهوم يقدم بديلاً في شكل مساحة آمنة وشبه منظمة حيث يمكن للأفكار الجديدة أن تظهر وحيث يمكن لفاعلين متنوعين العمل معاً بطرق جديدة.

هذه المساحة ليست مجرد مكان مادي، بل هي إطار تنظيمي يجمع بين:

العنصر الوصف
الهيكل إطار منظم يمنح التوجيه والأمان
المرونة حرية التجريب والابتكار خارج العمليات الرسمية
الأمان النفسي بيئة آمنة للتعبير عن الأفكار دون خوف من النقد السلبي
الطابع التطوعي المشاركة اختيارية، مما يعزز الحماس والالتزام

أشارت الأبحاث إلى أن هذه المساحات ليست بديلاً عن عمليات الابتكار الحالية، بل أداة تكميلية تسمح باختبار الأفكار الجديدة دون ضغوط أو قيود الإجراءات التقليدية.

.. 3 آليات لنجاح المساحة الوسطى

حددت الدراسة ثلاث آليات رئيسية تمكن المساحات الوسطى التعاونية من النجاح:

1. هيكل مرح (Playful Structure)

إدخال عناصر المرح واللعب في عملية الابتكار يساعد المشاركين على تجاوز الخوف من الفشل والتعامل مع المخاطرة بطريقة إيجابية. في مثال “Shark Tank”، استلهم المشاركون من برنامج تلفزيوني شهير لتقديم أفكارهم، مما خلق جواً من التحدي الإيجابي بدلاً من الخوف من النقد.

2. التفاعلات الإيجابية والاجتماعية والعاطفية

تعزيز الروابط الاجتماعية والعاطفية بين المشاركين يساعد في بناء الثقة المتبادلة. عندما يعمل موظفون من مستويات مختلفة معاً في بيئة غير رسمية، تنهار الحواجز وتنمو العلاقات القوية التي تدعم الإبداع.

3. المشاركة المعرفية من خلال التغذية الراجعة والملكية المشتركة

تشجيع المشاركين على تبادل التغذية الراجعة وامتلاك المشاريع بشكل جماعي يعزز الانخراط المعرفي. في العديد من الحالات، بنت الأزواج الإبداعية تعاوناً أقوى من خلال التغلب على التحديات معاً، حتى أكثر مما حققته من خلال النجاحات المبكرة.

.. أين طُبقت هذه الفكرة؟

شركة العناية الشخصية العالمية وبرنامج “Shark Tank”

درست الباحثون حالة مبادرة ابتكارية ذاتية التنظيم تُسمى “Shark Tank” داخل شركة عالمية للعناية الشخصية. في هذه المبادرة، تم إنشاء عملية موازية للابتكار خارج دورات تطوير المنتجات الرسمية.

المشاركون (من موظفين عاديين إلى مديرين كبار) قدموا أفكارهم، وطوّروا نماذج أولية، وصفّوا مشاريعهم في بيئة داعمة. النتائج كانت إيجابية: ظهور أفكار جديدة، تعاون بين مستويات مختلفة، وابتكارات نفذت لاحقاً في الشركة.

المفاهيم المشابهة: Adaptive Space

يذكر تقرير آخر مفهوم “الفضاء التكيفي” (Adaptive Space) الذي قدمه مايكل أرينا، وهو نهج يسمح للمؤسسات بتحقيق التوازن بين الهيكل الهرمي الضروري للكفاءة التشغيلية والشبكات غير الرسمية التي تسمح بتدفق الأفكار بحرية.

هذا المفهوم مشابه للغاية للمساحة الوسطى التعاونية، مع تركيز على تحقيق التوازن بين استغلال الموارد الحالية واستكشاف فرص جديدة، وهو أمر حاسم في مواجهة التحول الرقمي وتغير توقعات القوى العاملة.

في مقال دليل التخطيط الاستراتيجي في القطاع الحكومي، تحدثنا عن أهمية التوازن بين الاستقرار والمرونة في التخطيط، والمساحة الوسطى التعاونية تطبق هذا المبدأ في الابتكار.

.. دروس من الفرق المسطحة في البحث العلمي

دراسة من جامعة شيكاغو حللت أكثر من 16 مليون ورقة بحثية وكشفت أن الفرق العلمية المسطحة (تلك التي تتقاسم القيادة بين أعضائها) تنتج ابتكارات أكثر جرأة وتأثيراً طويل المدى مقارنة بالفرق الهرمية.

النتائج الرئيسية:

الفرق المسطحة (L-ratio عالٍ) الفرق الهرمية (L-ratio منخفض)
تنتج ابتكارات أكثر جرأة وتوليفاً غير مألوفاً للأفكار تنتج تطويراً للأفكار القائمة بدلاً من الابتكار الجذري
تأثير علمي أطول مدى استشهادات فورية أعلى لكن تأثير أقل على المدى الطويل
إنتاجية أعلى لمتوسط الأعضاء إنتاجية أعلى للقادة فقط، وأقل للباحثين الداعمين

تؤكد هذه النتائج أهمية توزيع الأدوار القيادية على نطاق أوسع لتحقيق إبداع مستدام، حتى لو أدى ذلك إلى تأخير التقدير الفوري.

.. كيف تطبقها في مؤسستك؟

1. ابدأ بمبادرة تجريبية صغيرة

لا تحاول تغيير كل شيء دفعة واحدة. اختر مشروعاً واحداً أو قسماً واحداً وجرب نموذج المساحة الوسطى التعاونية.

2. اجعل المشاركة تطوعية

الحماس الحقيقي يأتي من الرغبة الداخلية، وليس من الإكراه. اترك الباب مفتوحاً للمشاركين المهتمين فقط.

3. وفر هيكلاً مرحاً

استلهم من برامج تلفزيونية أو ألعاب أو تحديات ممتعة لجعل عملية الابتكار أقل رهبة وأكثر متعة.

4. دمج الأزواج الإبداعية (Creative Pairs)

اجمع بين موظفين من مستويات مختلفة (موظف جديد ومدير متمرس) للعمل معاً على مشروع. هذه الأزواج غالباً ما تنتج تعاوناً قوياً.

5. وفر مساحة آمنة للفشل

شجع التجريب واعتبر الفشل جزءاً من عملية التعلم، وليس سبباً للعقاب.

في مقال كيف تساعد فريقك على التعلم في أثناء سير العمل، قدمنا استراتيجيات لخلق بيئة آمنة للتعلم، وهي الأساس نفسه للمساحة الوسطى التعاونية.

.. الأسئلة الشائعة

ما الفرق بين المساحة الوسطى التعاونية وجلسات العصف الذهني التقليدية؟

جلسات العصف الذهني غالباً ما تكون قصيرة وغير منظمة، بينما المساحة الوسطى التعاونية هي إطار شبه منظم يمتد على فترة زمنية، ويتضمن تفاعلات متعددة، وتغذية راجعة، وتطويراً تدريجياً للأفكار.

هل يمكن تطبيق هذا المفهوم في الشركات الصغيرة؟

نعم، لكن بشكل مبسط. في الشركات الصغيرة، قد تكون الهرمية أقل صلابة أصلاً، لكن يمكن تطبيق المبادئ نفسها: خلق مساحة آمنة للتجريب، وتشجيع التعاون بين المستويات المختلفة.

ما هي التحديات المتوقعة؟

  • مقاومة من المدراء الذين يخافون فقدان السيطرة

  • صعوبة في تخصيص وقت للموظفين للمشاركة

  • عدم وضوح الفوائد المباشرة (قد يستغرق الابتكار وقتاً ليؤتي ثماره)

كيف نقيس نجاح هذه المساحة؟

يمكن قياسها من خلال عدد الأفكار الجديدة المولدة، عدد المشاريع التي تم تنفيذها من المبادرة، ومدى رضا المشاركين عن التجربة.

هل هذه الفكرة مناسبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟

نعم، بشكل خاص. مع تزايد دور الذكاء الاصطناعي في المهام الروتينية، تصبح المهارات البشرية مثل الإبداع والتعاون أكثر قيمة من أي وقت مضى.

.. الخاتمة: نحو مؤسسات أكثر إبداعاً وتعاوناً

“المساحة الوسطى التعاونية” ليست مجرد فكرة نظرية، بل هي أداة عملية يمكن للمؤسسات تطبيقها لكسر حواجز الابتكار. مع التحديات المتزايدة التي تواجه الشركات اليوم (الذكاء الاصطناعي، الاستدامة، الحاجة للابتكار متعدد التخصصات)، تصبح هذه المساحات ضرورية أكثر من أي وقت مضى.

المفتاح هو إيجاد التوازن بين الهيكل والمرونة، بين القيادة والمشاركة، وبين الأمان والمخاطرة. المؤسسات التي تنجح في خلق هذه المساحات ستطلق العنان للإبداع الكامن في فرقها، وتبني ميزة تنافسية مستدامة.

للمزيد من المقالات عن الابتكار وبناء فرق العمل، تابع موقعنا:

🔗 www.yalawazayf.com